في العام 2006 استطاعت التيارات الإسلامية البحرينية الثلاث (الوفاق «شيعة»، الأصالة «سلف»، المنبر الإسلامي «إخوان مسلمون») أن تحصد 32 مقعداً نيابيّاً من بين الدوائر الأربعين، وكان هذا الأمر، حدثاً متوقعاً بعد تنامي المد الديني في البحرين منتصف الثمانينات وحتى الآن، وكانت الانتخابات التي حدثت في 2002، والتي تلتها في 2006، بمثابة سنوات الحصاد للتيارات السياسية الدينية التي اتخذت من العمل الخيري مطية للتواصل مع الناس ومد نفوذها أمامهم، وخاصة أن العمل السياسي العلني حينها كان من المحرمات.بعد فترتين انتخابيتين، يطل المشهد الانتخابي المقبل غير بعيدٍ عن الصورة التي رسمت من قبل، فالإسلاميون السياسيون لايزالون يمسكون بالعصا والجزرة أمام الناخبين الذين، وان أخذهم إحباطهم إلى مآخذ شتى، فإنهم سرعان ما يعودون مجدداً إلى كنف هؤلاء مع أول «بسملةٍ» انتخابية في خيمةِ صاحبِ لحيةٍ أو عمامة.
يبدو أن الجمعيات والتيارات الإسلامية تعيش حالة جزرٍ شعبي، لكنه محدود وبطيء اللحاظ، وقد يكون نسخة مكررةً، لكنها أكثر بطئاً في حدوثها مما جرى في الكويت التي بدأ نجم الإسلاميين فيها بالخفوت بعد كل انتخابات جديدة هناك، كما أنه من غير المؤمل أن يكون هذا الانحسار محليّاً ذا تأثيرٍ كبير على الدوائر الانتخابية وخاصة في ظل الهيمنة الشعبية التي لاتزال تتمتع بها القوى السياسية الدينية، مستفيدة من أجواءٍ تبدو مغايرة كثيراً عما هي في الكويت، إذ يتصاعد لدينا الخطاب المذهبي للترويج للحملات الانتخابية التي تنظمها غالبية التيارات الدينية السياسية البحرينية.
ما يميز الكتل الإسلامية في البحرين أنها لا تتقاطع كثيراً في الدوائر الانتخابية، الأمر الذي يعني أنها لا تعطي فرصة لغيرها بالولوج إلى تلك الدوائر مستفيداً من حالة التنافس المفترضة بينها والتي تؤدي إلى تشتيت الأصوات، ولعل ذلك هو فلسفة الإصرار بين «الأصالة» و«المنبر الإسلامي» على تكرار تنسيقهما وتحالفهما، باعتباره ضرورة لا ترفاً أو تنازلاً لأية جهةٍ منهما، لأن غياب هذا التنسيق سيؤثر على الجهتين سلباً، هذا بالإضافة إلى عدم تقاطع «الوفاق»، مع هاتين الجمعيتين، إلا في عددٍ محدود من الدوائر، قد لا تتعدى اثنتين في المحافظة الوسطى.
من خلال طموح الكتل الدينية الثلاث في البرلمان «الوفاق، الأصالة، المنبر الإسلامي» يتضح أن عيونها تركز حاليّاً على الحفاظ على مكتسباتها الانتخابية التي حققتها في العام 2006، على رغم أنها أعلنت جميعاً أنها ستقدم مرشحين أكثر مما هي عليه دوائرها الانتخابية، فالوفاق الحاصلة حاليّاً على 17 مقعداً، ستقدم فيما يبدو 20 مرشحاً، فيما أعلنت المنبر الإسلامي صاحبة المقاعد السبعة في البرلمان أنها سترشح 15 منبريا في عدد من الدوائر بالمحافظة الوسطى والعاصمة والمحرق والشمالية، فيما لن يقل عدد مرشحي الأصالة عن 10 في الانتخابات المقبلة، على رغم أنها تحتفظ حاليّاً بـ 6 مقاعد رئيسية، ومقعدين متحالفين معها».
رئيس كتلة الأصالة النيابية غانم البوعينين والقيادي البارز عبدالرحمن المعاودة، وكذلك رئيس كتلة المنبر الإسلامي عبداللطيف الشيخ أكدوا جميعاً في أكثر من مناسبة أن الجمعيتين عازمتان على التجديد لجميع نوابهم ( 8 للأصالة و7 للمنبر الإسلامي)، إلا أن الأخيرة لن تكون قادرةً على الوفاء بهذا الأمر وخاصة في الدائرتين السادسة بالشمالية، والخامسة بالمحرق.
على صعيدٍ مقارب لاتزال الوفاق تتحفظ عن الحديث عن اختياراتها المقبلة، إلا أنه من المؤكد القول إن الجمعية ستدفع بإسلاميين إلى الدوائر العشرين التي تتحدث عن دخولها فيها، وعلى رغم أن الحديث شاع بأن الجمعية لا ترغب في الدفع بمرشحين معممين مجدداً، فإن ذلك قد يصطدم بعدة معوقات، أبرزها رغبة بعض المعممين الحاليين في إعادة ترشحهم مرة أخرى، هذا بالإضافة إلى وجود خط شعبي داخل مريدي «الوفاق» يرى في المعممين الجهة الأكثر صدقية للترشح للانتخابات.
وربما تكون جمعية الوفاق هي الوحيدة بين الجمعيات الإسلامية الثلاث التي لم تؤكد إعلاميّاً قدرتها على الاحتفاظ بمقاعدها الحالية، الأمر الذي يعتبره المراقبون إما طرحاً واقعياً للخارطة الانتخابية المقبلة، أو طرحاً متوجساً مما قد تنتج عنه الانتخابات المقبلة من «مفاجآت» بدأت علاماتها تظهر باستهداف عددٍ من دوائر الجمعية المذكورة إما من قبل قوى مقربةٍ من السلطة أو من خلال مرشحين آخرين محسوبين على المعارضة.
إلى ذلك، لايزال المراقبون يتحسبون لإقحام التيارات الدينية للفتاوى الانتخابية، كما حدث في الانتخابات الماضية بالنسبة إلى الكتل الثلاث (الأصالة، المنبر الإسلامي، الوفاق)، وتلك كانت قضية جدلية ساخنة قبل أربع سنوات، ومن المؤمل أن يؤدي رصدها بكثافة في الانتخابات المقبلة إلى إثارة إشكالات قوية عن مدى شفافية القوى الإسلامية الثلاث الأبرز في التنافس مع باقي القوى السياسية والمستقلين.
وكانت الأوقاف السنيّة والجعفرية أصدرتا في مايو/ أيار الماضي بيانين منفصلين حذّرتا فيه من استخدام المساجد والجوامع وملحقاتهما والمآتم لأغراض الدعاية الانتخابية، وهو ما اعتبره مراقبون، محاولة من الجهات المعنية، لتحييد المؤسسات الدينية عن هيمنة التيارات السياسية الدينية، التي تعتبر هذه المنابر، بؤراً مهمة للدعاية الانتخابية المقبلة.
وفي الصدد ذاته، لاتزال دوائر المستقلين الإسلاميين عصية على التيارات الإسلامية، وخاصة في ظل وجود النائب خليفة الظهراني على سدة إحداها، ووجود النائب الآخر جاسم السعيدي في دائرة أخرى، إذ يحتفظ الرجلان بعلاقات جيدة مع القوى الإسلامية في دائرتيهما، ومن المستبعد أن تقرر إحدى الجمعيات الدينية وخاصة الأصالة والمنبر الإسلامي منافستهما في أي انتخاباتٍ مقبلة.ويتوقع مراقبون أن تمتد هيمنة الإسلاميين المستقلين إلى عددٍ من الدوائر التي يمثلها نوابٌ من الكتل الإسلامية، وخاصة في وجود رغبة لدى بعض الجهات في إبراز مرشحين غير منتمين سياسيّاً إلى أي من التيارات لإبعادهم عن الحرج الذي قد يؤدي إليه وجود ملفاتٍ شعبية قد لا يمكن المناورة فيها بمساحةٍ واسعةٍ لدى الكتل كما حدث في ملف «أملاك الدولة» والموازنة العامة، الأمر الذي يفسر تماماً التصريحات المتكررة من عددٍ من الجهات عن أن فرص المستقلين ستكون الأبرز خلال الانتخابات المقبلة.
المصدر:جريدة الوسط البحرينية
شبكة الانتخابات في العالم العربي Arab Elections Network