قضت محكمة التمييز في البحرين أمس الاثنين برفض دعوى الطعن في توزيع الدوائر الانتخابية. وبصدور الحكم القضائي، تكون المحكمة قد أنهت خلافاً قانونياً استمر سنوات بين دائرة الشئون القانونية ممثلة للدولة، والمحامي عبدالله الشملاوي الذي تقدم برفع الدعوى طاعناً في مراسيم بقوانين صدرت بشأن تحديد وتوزيع الدوائر الانتخابية، وذلك وكيلاً عن أحد المواطنين.
وقد أسست محكمة التمييز حكمها على أنه «متى ما توافرت لدى جهة الإدارة من الوقائع ما يوجب عليها التدخل بمواجهتها تحقيقاً لمصلحة عامة، ولم يكن المشرع قد حدد لها فحوى القرار الذي يتعين عليها اتخاذه، تكون لها السلطة التقديرية المطلقة في اتخاذ القرار الملائم، لا يحدها في ذلك إلا أنه لا يكون لها هدف آخر لا يمت إلى المصلحة العامة بصلة، ومتى استكمل القرار الإداري أركان صحته فإنه ينأى عن الرقابة القضائية، ولا سبيل لإلغائه بدعوى عدم الملاءمة أو خطأ الإدارة في تقدير فحواه مادام القانون يفرض عليها تقديراً معيناً في هذا الشأن، ولم تنحرف في سلطتها التقديرية عن غايتها في تحقيق الصالح العام ولم تتعسف في استعمالها لسلطتها على نحو يكشف قيامها بكيفية لا تكفل حسن التقدير لما هو مقرر أن الرقابة القضائية في إلغاء القرار هي رقابة على المشروعية».
وكان المحامي عبدالله الشملاوي قد طعن على الأحكام القضائية الصادرة بالقصور في التسبيب ومخالفة القانون. وفي بيان دفاعه قال: «تمسكنا في دفاعنا بأن جهة الإدارة لم تلتزم بمبدأ العدالة التقريبية في تقسيم الدوائر الانتخابية، وتأيد ذلك بما استعرضناه في الدفاع من أعداد الناخبين بالمناطق والدوائر الانتخابية ونسب الفوارق بينهم، بما يكشف خروج جهة الإدارة عن مبدأ المساواة التقريبية في أكثر من دائرة بادعاء مراعاة فوارق اجتماعية من دون بيان تلك الفوارق المميزة لكل دائرة، إلا أن الحكم المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي لم يتناول هذا الدفاع الجوهري بالبحث والتمحيص مما يعيبه ويوجب نقضه».
وقد ردّت المحكمة على ذلك الدفع موضحةً أن «الطعن مردود عليه، إذ إن الحكم المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي لأسبابه والمكمل له قد خلص إلى أن المرسوم رقم (29) لسنة 2002 بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها واللجان الفرعية للانتخابات العامة لمجلس النواب – المطعون عليه – قد صدر صحيحاً استناداً إلى المادة (17) من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2002 بشأن مباشرة الحقوق السياسية والتي لم تضع قيوداً بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها وحدود الناخبين في كل منطقة أو دائرة انتخابية، وقد ترك ذلك للسلطة المختصة لما لها من سلطة تقديرية في ضوء اعتبارات الصالح العام ولا معقب عليها في ذلك من القضاء الإداري، إلا في حدود الانحراف بالسلطة».
وقالت المحكمة: «قد برئ القرار المطعون عليه من عيب إساءة استعمال السلطة ولم يقم الدليل عليه من الأوراق».
وأشارت المحكمة إلى «رد الحكم على دفاع الطاعن (الشملاوي) بأن العدالة في تقسيم المناطق والدوائر الانتخابية ليست عدالة حسابية لتحقيق التطابق بين أعداد الناخبين في كل منطقة أو دائرة انتخابية، وإنما هي عدالة تقريبية، ورتب الحكم على ذلك قضاءه برفضه دعوى إلغاء المرسوم المطعون عليه لعدم كفاية مخالفة الإدارة للعدالة المجردة – بحسب زعم الطاعن – دون مخالفة القانون؛ فإن الحكم يكون قد أقام قضاءه على ما يسوغه ويكفي لحمل قضائه».
وأردفت «لا محل للقول بوجوب تحقق المحكمة من التزام جهة الإدارة الموضوعية في تقسيم المناطق والدوائر الانتخابية على أساس المساواة النسبية، إذ لا محل لرقابة القضاء الإداري على الملاءمات التقديرية التي تباشرها السلطة الإدارية المختصة عند إصدار قراراتها سواء من حيث اختيارها لمحل القرار أو وقته أو أسلوب تنفيذه ما لم تنحرف عن الصالح العام».
كما طعن الشملاوي على حكم رفض دعواه بالخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال. وفي بيانهما أفاد بأنه «تمسك بلائحة استئنافه بتجاوز محكمة الدرجة الأولى لسلطتها في التحقق من جدية الدفع بعدم دستورية المادة (17) من قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقد أسس الدفع على أن تخويل جهة الإدارة سلطة تقسيم الدوائر والمناطق الانتخابية يترتب عليه مساس بمبدأ الفصل بين السلطات، ويعد تدخلاً في تشكيل مجلس النواب وتحديد تركيبته وفقاً لأهوائها دون مراعاة توجهات الناخبين. بما يعد ذلك مخالفاً للدستور – إلا أن الحكم المطعون فيه ساير الحكم الابتدائي فيما انتهى إليه من رفض الدفع بما يعيبه ويوجب نقضه».
وفي هذا الصدد، قالت المحكمة: «هذا النعي مردود أيضاً، ذلك أن مفاد النص في المادة (18) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002 بإنشاء المحكمة الدستورية، أن المشرع لم يوجب على المحكمة التي يثار أمامها دفع بعدم دستورية قانون أو نص فيه، في دعوى مطروحة عليها، وقف السير فيها إذا هي ارتأت أن هذا الدفع لا يتسم بالجدية، وهو تقدره محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة».
وتابعت «وإذ كانت المادة (39) من الدستور قد أناطت للملك سلطة إصدار المراسيم واللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين، فإن ما تضمنته المادة (17) من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2002 بشأن مباشرة الحقوق السياسية من إصدار مرسوم بتحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها وحدود اللجان الفرعية اللازمة لمباشرة علميتي الاقتراع والفرز لا يشوبها ثمة مخالفة دستورية لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه بالمادة 32/أ من الدستور، ولا يعد تدخلاً من الجهة الإدارية كسلطة تنفيذية في تشكيل مجلس النواب كسلطة تشريعية، إذ إن القرارات الإدارية التي تسبق عملية الانتخاب لا تتمخض عملاً تشريعياً أو نيابياً مما يختص به مجلس النواب، وإنما هي من الأعمال الإدارية التي تباشرها جهة الإدارة، ليس في اضطلاع الجهة الإدارية لهذه الأعمال ما يعني مساساً لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة 32/ أ من الدستور؛ وإنما يتحدد مجلس النواب من إرادة الناخبين على هدى ما تسفر عنه الآلية الدستورية المقررة بالمادة (56) من الدستور».
واستطردت المحكمة في بيانها لحيثيات حكمها: «وإذ خلص الحكم المطعون فيه إلى انتفاء شبهة عدم دستورية المادة (17) المشار إليها لعدم تضمنها ما يمثل مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات، إنما تتفق وأحكام الدستور فيما منح الملك طبقاً للمادة 39/أ من الدستور، سلطة إصدار المراسيم واللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين، فإنه يكون قد أقام قضاءه على ما يسوغه ولم يتجاوز به السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع لتقدير جدية الدفع دستورية قانون أو نص فيه، ومن ثم فإن النعي يكون على غير أساس».
لذا قضت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بالرفض.
هذا، وتتلخص وقائع الدعوى في تقدم المحامي عبدالله الشملاوي وكيلاً عن أحد المواطنين برفع دعوى إدارية لدى المحكمة الكبرى المدنية، ضد سمو رئيس مجلس الوزراء بصفته، طالباً الحكم – أصلياً – بإلغاء المرسوم رقم (29) لسنة 2002 بشأن تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها واللجان الفرعية للانتخابات العامة لمجلس النواب كاملاً، لارتباط أحكامه ارتباطاً كاملاً غير قابل للتجزئة، واحتياطياً إلغاء المادة الثانية من المرسوم سالف البيان.
وقال: إنه بتاريخ 21 أغسطس/ آب 2002، صدر المرسوم الملكي رقم (29) لسنة 2002، وأجريت الانتخابات العامة لمجلس النواب بتاريخ 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006، وفقاً للأمر الملكي رقم (21) لسنة 2006، بشأن تحديد ميعاد الانتخابات والترشيح لعضوية مجلس النواب، إلا أنه نظراً إلى الترسيم غير المنضبط للدوائر الانتخابية وفقاً للمرسوم رقم (29) لسنة 2002، قد لحق موكلنا الحيف في استعمال حقه في الانتخابات، وتوصيل من يراه لمجلس النواب، وذلك لما شاب المرسوم المشار إليه من عيب رسم الدوائر الانتخابية دون الاستناد إلى معايير موضوعية أو عددية منضبطة، ما نتج عن ذلك تفاوت عددي واضح في إجمالي الكتلة الانتخابية لكل منطقة انتخابية، وفي عدد ناخبي الدوائر فيما بينها، ومن ثم فقد أقمنا الدعوى.
وقد قضت المحكمة الكبرى المدنية برفض الدفع بعدم دستورية المادة (17) من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2002 وبرفض الدعوى، إلا أن الشملاوي لم يرتضِ الحكم وتقدم باستئنافه، وقد أيدت محكمة الاستئناف حكم محكمة أول درجة، فلم يرتضِ الشملاوي الحكم أيضاً وطعن عليه لدى محكمة التمييز التي قضت يوم أمس برفض الدعوى.
المصدر: جريدة الوسط البحرينية
شبكة الانتخابات في العالم العربي Arab Elections Network