كتبت ذات مرة: ان صناديق الاقتراع لا تحب النساء في المناطق والبلدان المتخلفة نسويا، لكني اسحب مقولتي اليوم بعد ان استدارت الصناديق العربية العصية للنساء الكويتيات في الانتخابات الاخيرة، اذن فنتائج الصناديق ليست قدرا حتميا وثابتا كما قد يتصور البعض، بل هي تتغير وتستجيب لمعطيات التغيير الاجتماعية والسياسية والتشريعية، وتجبر جميع اللاعبين في العملية السياسية والانتخابية على التناغم مع مستجداتها، جدير بالملاحظة اولا: ان هذا التغيير احدثته اربع نساء قويات ومؤهلات ومقنعات وشجاعات وغير عاديات.
فمن منا لا يعرف الدكتورة معصومة المبارك كأكاديمية رائعة واول وزيرة في تاريخ الكويت، اكتسبت سمعة اكبر بعد استقالتها المشرفة من وزارة الصحة، والدكتورة رولا دشتي المرأة الاقتصادية الممكنة التي لا تعرف اليأس، تخوض التجربة تلو الاخرى، تخفق وتعاود الكرة وتستعد للجولات المقبلة، رولا التي كانت حاضرة معنا هنا في البحرين في انتخابات 2002 و2006 مساندة ومؤازرة ومتعلمة ومستفيدة من اخطاء المرأة واخفاقاتها، بدى فوزها قريبا جدا منا وعزيزا جدا علينا، والليبرالية القوية الجميلة الدكتورة اسيل العوضي التي صمدت امام حملات التشهير من قبل الاسلاميين المتشددين وكانت هذه الحملات احد اسباب نجاحها، والدكتورة سلوى الجسار التي خاضت الانتخابات السابقة ودرست نتائجها وتعلمت من اخطائها ومنها شكلت قاعدتها المقبلة التي اوصلتها الى الفوز.
واعيد القول انهن نساء ممكنات ذاتيا، اشتغلن طويلا من اجل النهوض بقدراتهن واقناع الشعب بجدراتهن، اذ من السهل في بلداننا ان يجري تمكين امرأة ما لاسباب لاعلاقة لها بالكفاءة والمقدرة ووضعها في هذا المنصب او ذاك، لكن من الصعب اقناع العالم لاحقا بجدراتها اذا لم تكن على قدر من التأهيل والاستحقاق، شاهدت ذات مرة سيدة عربية في منصب رفيع جدا ضمن حوار تلفزيوني فهالني ضعف شخصيتها ولغتها وخطابها، حتى ان المذيعة لم تتورع عن توجيه النقد اللاذع الساخر المهين لها حين عجزت عن الاجابة على اسئلة ذات علاقة بتخصصها ومهنتها، هذا ليس تمكينا للمرأة انما توهينا لها و»تفشيلها» امام الناس، اذا شاهد الناخبون امرأة على هذه الشاكلة فمن سينتخب المرأة ؟ وهل تلام؟ ام يقع اللوم على من نصبّها في هذا الموقع؟ وما ينطبق على النساء ينطبق على الرجال المجلوبين الى المواقع الخاطئة.
وفي كل انتخابات عربية تشهر السهام في وجه الحكومات والتيارات الدينية خصوصا عند اخفاق المعارضين والنساء، لا احد يلوم الكتل المنسحبة اليائسة النائمة في بيوتها في يوم الانتخابات، والتي قررت هذه المرة ان تلعب دورها وتمتحن قدراتها وتتحدى الواقع الراهن وتبرهن على امكانية تغييره بيدها لا بيد عمر، كذلك لا بد من الاشارة ان كثيرا من المحللين والمتابعين للشأن السياسي الكويتي يعزون نجاح المرأة لا الى الكتل الجديدة المشاركة والشباب فحسب ولكن ايضا الى الحكومة بوصفها لاعبا اساسيا ومؤثرا في العملية الانتخابية ونتائجها.
لم تستطع النساء الغربيات اقتحام البرلمان الا عندما اجبرت الحكومات الاحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات المتناوبة على السلطة والتي تتلقى تمويلها من الحكومة على وضع النساء على قوائمها الانتخابية، وبعد ان تجذرت الحقوق النسوية والمساواة والديمقراطية وتداول السلطة ونمى الوعي السياسي المطالب بالمشاركة الشعبية في صنع القرار، واتسعت رقعة الحريات والاعلام المستقل واجرت الحكومات بمساندة القوى والاحزاب السياسية تغييرات قانونية وتشريعية لتأمين الانتخابات النزيهة التي تفسح المجال للمعارضة بوصفها شريكا حقيقيا في العملية السياسية وليست عدوا يستحق التهميش والاقصاء.
النساء الفائزات في الانتخابات لا يهطلن مع مطر الصيف الشحيح او مطر الشتاء السخي، المرأة لا تحتاج كرما ولا مكرمات، المرأة الممكنة القوية تفرض وجودها، ولا تحتاج الا طريقا معبدا بقوانين المساواة والعدل وتكافؤ الفرص للجميع، طريقا مسيجا بالرغبة الجادة الرسمية والشعبية في الاصلاح والتغيير وتمكين الديمقراطية.
صحيفة الأيام البحرينية
شبكة الانتخابات في العالم العربي Arab Elections Network