كنت قد أكدت في المقال السابق أن تصور المرأة للعملية الانتخابية يختلف عن تصور الرجل إذا ما كان المجتمع يصنف مجتمعا انتقاليا. لذا من المهم هنا أن نتعرف على جزء من أسباب هذا الاختلاف في التصور الإدراكي لمسألة الانتخابات. بحكم المفاهيم التي يسعى المجتمع الانتقالي إلى تأسيسها ديمقراطيا، تأتي مسألة المرأة والرغبة في إعطائها أكبر قدر من الاستقلالية والحرية، بنزع كثير من القيود الاجتماعية والسياسية عن حركتها، في واجهة أي مشروع تجديد سياسي بل إنها تتصدر قائمة الخطابات السياسية على اختلاف توجهاتها. وبالطبع فهذا يشمل المجال الاقتصادي باعتباره مجالا حيويا وأرضية تقوم عليها التغييرات في المجالات الأخرى.
ليس هذا تأسيسا ماركسيا بقدر ما هو بحث عن أطر الصراع الذي تخوضه المرأة والمساحات التي تكون المرأة فيها قادرة على تحقيق استقلالها وحريتها المطلقة ومساواتها للرجل في هذا الشأن. المجتمعات الانتقالية لا تعنى كثيرا بتحسين أوضاع المرأة وجل ما تفعله هو التوظيف الجيد لقضية المرأة وجعلها ساحة من ساحات حسم المواجهات بين القوى السياسية المتصارعة. فالسلطة يهمها أن تتخلص من الضغوط الدولية المطالبة بالإصلاح عبر دعم المرأة وجعلها في مناصب عليا ومتقدمة، وقوى المعارضة تتهم السلطة بعدم الجدية في التجديد السياسي لأنها لا تزال تمنع مساواة المرأة مع الرجل وتمنعها من تحقيق أوضاعها السياسية والاقتصادية بشكل مستقل. ما تفضي إليه كثير من التجارب الانتقالية أن قضية المرأة تتحول إلى شماعة ودعاية سياسية يستخدمها معظم الأطراف والفئات. وهذا يمكن الوصول إليها بسهولة في دراسة المكينات الانتخابية وكيف يتم التوجه لكسب الأصوات النسائية أو في حالة التعرف على مدى الاختلاف والنفوذ الذي تتمتع بها بعض الفئات من خلال إبداء دعمهن لقضية المرأة وكأن الوضع يحتاج إلى تنافس وتسجيل نقاط.
في كثير من تجارب المجتمعات الانتقالية لم تفض التجربة الانتقالية إلى تحسين وضع المرأة رغم أنها تتصدر قائمة البرامج الإصلاحية وصيغ الخطابات السياسية. المرأة في ظل أوضاع متعثرة تصبح ساحة احتراب وموضوعا لخطاب انتقالي لا ينالها منه سوى القليل. ففي تجارب دول الاتحاد السوفياتي سابقاً ومنها قرقيزيا وروسيا مثلاً، لم تفض التجربة الانتقالية إلى أوضاع أفضل للمرأة فقد ظلت نسبة تمثيل المرأة كما هي، وظلت أوضاعها الاجتماعية متردية على أكثر من مستوى يؤكد ذلك ارتفاع عدد النساء المشتغلات في البغاء أو تعرضهن للتمييز وسوء المعاملة من قبل الرجال. وفي تجربة العراق كان المجتمع الانتقالي أكثر احتفاء بالمرأة، وتصدرت المرأة قائمة البرامج الإصلاحية واستطاعت المرأة أن تحسن ظروفها السياسية وأن تحصل على نسب تمثيل أعلى من السابق، لكن وفي المقابل لم يشمل هذا التحسن سوى عدد قليل من النساء اللاتي كن منخرطات في العمل الحزبي لذا ظلت أوضاع المرأة اجتماعيا كما هي. وبحكم توتر الأوضاع السياسية وتفجرها على أرضية عنف مذهبي وطائفي فقد دفعت المرأة العراقية فاتورة المجتمع الانتقالي العراقي شبه كاملة. وقياساً على ذلك فإن الذهاب بعيداً في حسم مسألة المرأة داخل المجتمعات الانتقالية واعتبار ذلك أمراً مفروغاً منه، يعد ضربا من ضروب تحريف التجديد السياسي وقفزا على معطيات واقعية تؤكد أن ظروف المرأة قد تتعقد أكثر داخل المجتمعات الانتقالية.
لقد ظلت المرأة البحرينية طوال عقود عدة تابعة في حركتها السياسية لحركة الرجل الذي كان يقرر مواقع المواجهة مع السلطة ونوعيتها، ولم يتم إدراج المرأة في الخطاب السياسي إلا في وقت متأخر جدا وبالتحديد في فترة الستينات من القرن الماضي وسط كثير من المعوقات الاجتماعية والسياسية. حتى التجربة اليسارية التي استمرت ثلاثة عقود أنجزت جملة من مهماتها لكنها لم تفلح في جعل المرأة مستقلة عن الرجل وبالتالي فقد كان خطاب الستينات خطاباً مفارقاً يجمع بين الدعوة إلى تحرير المرأة وبين تبعتها للرجل سياسياً.
وفي الواقع كان شعار تحرير المرأة شعاراً مبهماً ويفتقد الوجهة التي يتجه إليها، فعمليا لم يجب هذا الشعار عن ماهية فعل التحرير المنشود، وهو تحرير المرأة من أي جهة وإلى أين سوف تؤخذ بعد ذلك، ربما كان قيام إحدى النساء بخلع عباءتها في إحدى المظاهرات السياسية منتصف الستينات، قد دفع البعض إلى تحريف الرؤية ووصم الحركة السياسية وقتها بمعاداة المجتمع والأعراف الدينية، وترسخ هذا الاعتقاد بكثير من الممارسات السلوكية القائمة على الاختلاط والتبرج. وهو أمر تنبهت إليه الجبهة الشعبية في أحد تقاريرها الداخلية حيث أكدت ضرورة الالتزام بأعراف المجتمع والابتعاد عن نزعة التحدي التي رافقت عمل الكثير من أعضائها. إن العمل السياسي في التصور الذهني عند قطاع واسع من الناس هو بمثابة مواجهة سياسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها، والتي يقف العنف الرسمي في أعلاها. وهنا نصبح أمام قانون أشمل يجمع كل الجمعيات السياسية المعارضة ذات التجربة السياسية القاسية والمتأثرة بالسجن والتعذيب. بعبارة أخرى لا يزال المجتمع السياسي في البحرين يرتهن إلى مفهوم السياسة كحرب يتقدم إليها الجنود وتشكل من أجلها الجيوش. ما يعزز هذا المفهوم هو طريقة تعاطي الحكومة مع الأحداث السياسية السلمية وقيام السلطات الأمنية بالتصدي لكثير من الأعمال الاحتجاجية السلمية بل وحتى غير الاحتجاجية كما حدث في تصدي قوات الأمن لمسيرة ‘’لبيك يا حسين العام ‘’2005 وتعرض المشاركين فيها من نساء وأطفال للغازات المسيلة للدموع.
لم يختلف الوضع كثيرا في فترة التسعينات وما بعد فترة ميثاق العمل الوطني فقد ظلت المرأة ولا تزال غير قادرة على تحقيق استقلالها حتى في ظل قيادتها لبعض اللجان الإدارية داخل الجمعيات السياسية. ولم يحدث أن جمعية سياسية ما قامت بعمل استطلاع خاص لرأي النساء فيها بخصوص مسألة ترشيح المرأة في الانتخابات، فالقرار يتخذ ديمقراطيا داخل أجواء يهيمن عليها الرجال حكما وموضوعا. والمرأة في المجتمع الانتقالي الخاص بالبحرين لا تزال غير قادرة على الاستقلال الاقتصادي إذا ما قررت اتخاذ قرار سياسي خاص بها. وقبل ذلك فإن أوضاع المرأة الاجتماعية لا تزال كما هي لم يلمسها أي تغير حقيقي، وقد يكون عدد النساء الموقوفات على ذمة قضايا أخلاقية مؤشرا على تدني أوضاع المرأة.
ما من شك أن هذه الأوضاع تساهم بشكل كبير في خلق مسافة كبيرة بين تصورات الرجل للعملية الانتخابية وبين تصورات المرأة التي ربما تشعر بالغبن والهضيمة فهي لم تحصل على ما حصل عليه الرجال بشكل مساوٍ رغم أنها دفعت ثمناً قد يفوق ما دفعه الرجال مجتمعين.
جريدة الوقت البحرينية
شبكة الانتخابات في العالم العربي Arab Elections Network